التربية، التربية ثم التربية...
![]()
تقوم
كثير من الصحف والمجلات الغربية بتحقيقات متتالية عن انتشار القمار والجريمة في
مجتمعاتهم، داقّة ناقوس الخطر، ومنبّهة إلى أن عدم معالجة هاتين الآفتين
الاجتماعيتين بالسرعة القصوى، سيؤدي إلى أمر واحد هو تفاقمهما إلى حد قد يصعب معه
السيطرة على نتائجهما السيئة على الأفراد والمجتمع على السواء مع ما يحمله ذلك من
بذور قد تفضي إلى تدميرهما معا ونقلهما إلى حالة ميئوس منها. والحال انه إذا كان
على البشر أن يتخذوا العبر من تاريخهم أو أن يتعظوا من دروسه فان ابسط وأوضح ملاحظة
يمكن أن يتوصلوا إليها هي بالتأكيد مدى تأثير المبادئ الإنسانية العامة والصفات
الخلقية الفردية على أحداثه، إلى حد تغيير مجراه في كثير من الأحيان.
ولكن ذلك التأثير كان ذا وجهين مختلفين إلى حد بعيد: الوجه السياسي والوجه الاجتماعي العام. فعلى الصعيد السياسي نجد أن الأمور كانت تتغير، بل تنقلب رأسا على عقب، بتغيّر الحكام في النظام السياسي الواحد والدولة الواحدة. فعهد نيرون الروماني غير عهد يوليوس قيصر وغير عهد الكسندروس سافيروس. وعصر هارون الرشيد العباسي غير عصر المأمون وغير عصر الأمين. والدولة الفرنسية في أيام ديغول غير الدولة الفرنسية في أيام بومبيدو، الخ... وذلك بسبب المبادئ الإنسانية العامة التي آمن ـ أو لم يؤمن بها ـ كل منهم؛ والصفات الخلقية الشخصية التي تحلّوا أو لم يتحلوا بها. ولكن الحالة الإنسانية العامة التي سادت في سائر المجتمعات عرفت قدرا اكبر من الاستقرار، وكان للمبادئ الإنسانية والصفات الخلقية دورها الأساسي في التأثير على الأفعال السلوكية للبشر، وحظيت على الدوام، وخصوصا في مجاليْ التربية والآداب، بالتقدير الذي تستحقه، واعتبرها الناس العاملَ الأول في ترقية العلاقات فيما بينهم.
من منا (نحن الذين ولدوا في مطلع النصف الثاني للقرن الحالي أو قبل) لا يذكر قصة السموأل ووفاءه المثالي؟؟ ومن منا لم يسمع عن عادة البشر في تحدي من أهانوهم والتضحية بحياتهم دفاعا عن شرفهم وكرامتهم؟؟ ومن منا لم يقرأ في كتبه المدرسية والكتب الأدبية العامة مئات القصص والأمثال التي تبين أهمية الفضائل الإنسانية وتدعو إلى التحلي والالتزام بها؟؟ ومن منا لا يعلم أن البشر كانوا ينامون وأبوابهم مفتوحة فعلا، ويتنزهون في الشوارع العامة ليلا دونما خوف من مجرم أو معتد، ويغادرون منازلهم في أي وقت وهم مطمئنون إلى أنهم سيجدون ممتلكاتهم في مكانها عندما يعودون؟ ومن منا لا يذكر الأمان الذي ساد إلى حد أن أصحاب البسطات كانوا يتركون سلعهم دون مراقبة ويضعون ساترا بسيطاً.
بل أكثر من ذلك؛ لقد أثرت الحالة الإنسانية العامة على الهندسة والبناء في القرن العشرين. فالمنازل والشقق كانت تزود بأبسط الأقفال أو بدونها، وكانت نوافذها من دون سدود وحواجز. فما الذي حصل وأوصلنا إلى مانحن عليه اليوم من حالة انعدام الأمن، وما سبب هذه الموجة الجديدة التي بدأت أخبارها تصلنا من الولايات المتحدة عن قيام الطلاب بتفخيخ مدارسهم وزرعها بالعبوات الناسفة؟ ولماذا راحت القضبان الحديدية تسد النوافذ، والأقفال الحية والميتة تتربع على الأبواب، وأجهزة الإنذار تحتل صدارة المنازل والمحلات التجارية والسيارات؟
أجل!! ما الذي حصل حتى انقلبت الأمور رأسا على عقب ؟؟ وبدأت الآفات الفردية والمشاكل الأمنية والاجتماعية والعائلية تتفاقم؟ ولماذا صارت أمور كثيرة لم تكن مقبولة في السابق، مقبولة اليوم أو على الأقل لا تثير الاعتراض، فيما باتت قيم ومبادىء ناضل البشر كثيرا من أجلها وبذلوا دماءهم دفاعا عنها، مدعاة للسخرية والهزء والاتهام ؟؟
الذي حصل أنه منذ نهاية الستينات، أي عندما راحت معالم "النظام العالمي الجديد" تتبلور،ببروز الولايات المتحدة الأميركية كقوة وحيدة في العالم الغربي (أو غير الاشتراكي) قررت وسائل الإعلام الغربية التي يملكها النظام المالي العالمي ويسيطر عليها سيطرة كاملة، والتي تموّن وسائل الإعلام في البلدان الأخرى بما يملأ صفحاتها الكثيرة وساعات بثها الطويل؛ نقول "قررت" تلك الوسائل أن المبادىء الإنسانية والصفات الخلقية هي أمور "قديمة" و"بدائية"، ولا تتناسب مع التقدم العلمي والتكنولوجي، ولا مع "الحضارة" في طبعتها الخاصة بالقرن العشرين.
وهكذا بدأت المبادىء الإنسانية العامة والصفات الخلقية الفردية تختفي من وسائل الإعلام على اختلافها، من صحف ومجلات وبرامج تلفزيونية وإذاعية، وحتى من الآداب والفنون نفسها، لأن النظام المالي إياه يسيطر أيضا على دور النشر الكبرى وعلى الإنتاج الموسيقي والسينمائي والفني عموما. ولذلك بات من النادر أن يظهر عمل فني أو إعلامي يدعو إلى التحلي بفضيلة إنسانية واحدة أو بصفة خلقية نبيلة.
ولأن وسائل الإعلام عاجزة عن إنتاج ما يملأ كامل صفحاتها وساعات بثها، وبسبب من شعور مزمن بالنقص تجاه كل ما هو غربي، فإنها تبنت ذلك "القرار" وراحت آثاره تظهر في الاتجاه الفكري لبعضها. والذي أشار دهشتي وعجبي في حينه، أن البرامج الأميركية مثل "دالاس" و"السلطة والمال" وسواهما، لم تحظ بأي نقد أو اعتراض، رغم أنها تدعو صراحة إلى اعتبار المال وجمعه بأية وسيلة ممكنة، الشأن الأساسي في الحياة، ورغم امتلائها بوقائع الخيانات الزوجية والمهنية وعقد الصفقات على حساب الصداقات والعلاقات العائلية، ورغم عدم وجود أي هدف إعلامي لها سوى غسل أدمغة المشاهدين بأن الكذب والخيانة واستغلال الآخرين إنما هي أمور "طبيعية".
لقد توصل البشر مثلا إلى استخدام المال كوسيلة لتسهيل تبادل السلع والخدمات التي يحتاجون إليها في حياتهم اليومية، بديلا عن المقايضة وصعوباتها. ولكن الواقع القائم اليوم، بسبب سيطرة قلة من الأفراد على اقتصاد العالم كله تقريبا، وبسبب الحكم المسبق بأن الاقتصاد الحر هو أفضل نظام لقضاء حاجات البشر إلى السلع والخدمات، رغم انه يؤدي فعلا إلى تجميع معظم الثروة الوطنية، أي حصيلة وظائف سائر المواطنين في أيدي تلك القلة، فيصير جمع المال الهدف الوحيد لديهم جميعا: القلة لأنها اختارته، والكثرة لأن مردود وظائفها بالكاد يكفي للإنفاق على حاجاتها الأساسية. وبما أن هذا هو الواقع القائم، وبما انه يناسب مصالح الأقلية التي تملك وسائل الإعلام، من جملة ما تملك، فانه يصير أمرا طبيعيا رغم كل المشاكل والمصائب الناجمة عنه، ولم يعد ثمة غرابة في أن يكون هدف البشر الوحيد هو جمع المال بأية وسيلة ممكنة، ولا في أن تكون حياتهم مجرد سباق محموم لتحقيق تلك الغاية، بإزاحة أي منافس محتمل من الطريق، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
وهذا الواقع يؤدي إلى واقع آخر، وهو إسقاط كل المبادىء الإنسانية والصفات الخلقية لأنها لا تتناسب مع التطبيق العملي للاقتصاد الحر. فهذا الاقتصاد القائم على ما يسمى "المبادرة الفردية"، له وسائله المعروفة التي تبدأ بعقد الصفقات ولا تنتهي عند العمولات والسمسرات، بل تتجاوزها إلى الكذب والغش والخداع والخيانة والاحتيال حتى بين الشركاء والأقارب والأصدقاء. ومرة أخرى نجد أن وسائل الإعلام، وحتى الآداب والفنون، لا تتعاطى معه على انه أمر منبوذ ومعارض للمبادىء الإنسانية العامة، رغم أن بعض تلك الممارسات مخالف صراحة للقوانين أيضا.
وقد توصل البشر أيضا، فيما توصلوا إليه، إلى اعتبار الحرية من الصفات السامية التي يجب أن يتحلى بها كل كائن بشري (الحرية الفردية)، وان تكفلها كل دولة لجميع مواطنيها دون استثناء. ولكن الفلاسفة والكتاب والسياسيين الذين ناضلوا في سبيل الحرية إلى حد بذل الذات، لم يعتبروا يوما أنها غاية قائمة بذاتها، بل كانت دائما وسيلة لترقية الذات باختيار أفضل المبادىء الإنسانية والصفات الخلقية والتحلي بها.
والواقع الحالي أن الحرية، وخصوصا في البلدان الغربية، لم تعد وسيلة لترقية الحياة الفردية أو العامة، بل صارت غاية قائمة بذاتها. فالأفراد يمارسونها من اجل اختيار ما يناسب أهواءهم ونزواتهم، وأولا وأخيرا لتجنب القيام بما عليهم من واجبات مقابل الحقوق المعطاة لهم. والحال إن تحويل الحرية إلى غاية قائمة بذاتها قد أدى إلى إلغاء الكثير من المبادىء الإنسانية العامة والصفات الخلقية، بل إلى فرض ما يتعارض مع الطبيعة البشرية نفسها. وأسوأ مكان لممارسة هذه الحرية هو المدارس والمؤسسات التربوية التي غابت عنها أهم وسيلتين لانجاح عملية التربية وهما الانضباط والتنافس على اكتساب اكبر مقدار من المعرفة.
![]()