الأم – كيف تربي طفلها؟
![]()
يجد الأطفال في أسرهم صورة للمستقبل الذي يتطلعون إليه، فالعائلة بمن فيها تعتبر عالمهم الصغير ومثلهم الأعلى. وفي البيت تتكون سمات شخصية الإنسان عندما يكون طفلا، مثل النشاط والعاطفة الرقيقة وطريقة التعليم وغيرها. لهذه الأسباب مجتمعة تتحدد أدوار الآباء والأمهات في تربية الأطفال، وهي أدوار مكملة لبعضها البعض.. بلا نفور أو تباين. وعلى الآباء والأمهات في هذه الأدوار وضع المصلحة العليا للأطفال نصب أعينهم، وأن يؤدي كل دوره بما ينسجم مع إمكاناته وقدراته وثقافته، فالأطفال هم المستقبل.. وهم سادته. وبما أن الأم هي الأساس، فإننا نستعرض هنا أهم الأساليب التربوية الأساسية في تعاملها مع طفلها لتضمن له أقصى استفادة من الجو الأسري والتربوي المطلوب توافره بين أفراد العائلة.
لم يتحدث أي من الفلاسفة الكبار عن رئيسة لمدينة فاضلة، بل كانوا جميعا يتحدثون عن رئيس فاضل. إلا أن هذا يجب ألا ينتقص من قدر المرأة، فهي بدورها لها مملكتها الخاصة بها، أي المنزل. نقول هذا ونحن بصدد الحديث عن النموذج النسوي في إدارة أمور الأسرة، بما فيها تربية الأطفال ورعاية الزوج وتوفير مناخات هادئة ومطمئنة للأسرة كلها. فالأم التي تعتني وتهتم بتربية أطفالها لتصل بهم إلى أعلى مراحل النضج هي تلك المدرسة العظيمة التي تحدثت عنها الآداب جميعها. ولابد للأم من أن تكون على استعداد للتضحية وذات شخصية قوية ومتزنة.
ومن أهم التزامات الأم تجاه أطفالها الواجبات التالية:
- أن تحكتم إلى أسلوب واحد في التربية من غير تأرجح بين اللين والشدة، فاللين يرتبط بالعاطفة المتأججة التي تزيد على الحد المألوف إلى درجة تجعل من الطفل إنسانا مشوها فاقدا للثقة وميال إلى الانطواء والعزلة ويعتمد على الغير في كل صغيرة وكبيرة، والشدة التي تصل إلى مرحلة التهور حيث يفقد الطفل الإحساس بالأمن والطمأنينة، هما دربان لا يلتقيان وبدون نتائج طيبة. ولما كان خير الأمور الوسط، فإن الأسلوب الذي يتوسط اللين والشدة هو الذي يجب أن تحتكم إليه الأم في تنشئة أطفالها.
- أن تتحاشى إسقاط انفعالاتها العاطفية على أطفالها، فمعظم الأمهات، للأسف الشديد، لا يفعلن ذلك، فإن كانت الأم رائقة المزاج فعلى الطفل أن يفعل أي شيء، وإن كان مزاجها متعكرا أسرفت في اللجوء إلى العقاب والقصاص وارتفعت عقيرتها بالصراخ. وهي في كلتا الحالتين تفتقر إلى الوسطية وتقوم بإسقاط انفعالاتها على الأطفال الذين لا يدركون ما يدور حولهم، مما يجعلهم يترصدون الحالات النفسية للأم ليعرفوا كيف سيتصرفون وفق الحالة المزاجية المعينة. وقد أصبح بعض الأطفال على قدر عال من الذكاء في اكتشاف تحولات الأم المزاجية، فما أن يكتشفوا أنها في حالة مزاجية رائقة حتى يسرفون ويبالغون في الطلبات المشروعة وغير المشروعة. ويتقمص الأطفال الوضعية المزاجية للأم لأنهم يتعاملون معها يوميا، مما يفقدهم القدرة على اتخاذ القرار في ظروف موضوعية، بل وتبقى آراؤهم وتصرفاتهم مرهونة بسلوك الأم، هذا إضافة إلى أن الطفل الذي يعيش مع هذا النوع من الأمهات قد يفقد إدراكه لارتباط الأسباب بالمسببات والذنب بالعقاب، وتختل في ذهنه صورة العدالة، فيتصرف بالتالي بطريقة مزاجية وفق شخصية أمه التي يتقمصها ويتحولون إلى أناس يتسمون بشخصيات غير مستقيمة في المستقبل.
- على الأم أن تهيىء مناخا من الطمأنينة حول أطفالها، وذلك لضمان نموهم النفسي السليم، فلا تحملهم في سن مبكرة الهموم الاقتصادية والاجتماعية بحجة تدريبهم على تحمل المسؤولية، فللطفل الحق في أن يعيش طفولته.
- أن تتولى الأم بنفسها إنزال العقاب بالطفل إذا دعت الضرورة وتبت في المسائل التي يشاورها فيها أطفالها، بدلا من إرجاء ذلك إلى حين عودة الأب. كما يجب عليها عدم تحويل الأب إلى أداة للعقاب والتصديق كأن تقول لطفلها: انتظر حتى يأتي والدك فيتدبر أمرك. أن مثل هذه التهديدات، حتى وان كانت مجدية إلى حين، تنطوي على شبه إلغاء لدور الأم وهي التي قبلت من نفسها وبرضاها إنسانة لا شأن لها، فتكون بذلك قد وقعت على مستند تنازل عن دورها كأم. وكثيرون هم الأزواج الذين يرون أن الأم يجب أن تأخذ القرارات التربوية بنفسها ثم تبلغها للأب بعد ذلك، على سبيل العلم والمشاركة فقط.
- على الأم أن تؤدي دورها بصمت ومن دون منية، فهي إنما تقوم بالدور الذي خلقت من اجله والذي ارتضته لنفسها، فلا حاجة لها أن تذكر الأطفال دائما بأنها تتعب وتتحمل الصعاب من اجلهم وكأنها تستدر عطفهم وتلقي باللوم عليهم، إذ يتوجب عليها أن تساعدهم بكل حنان ومحبة وألا تنظر إليهم، وكأنهم عبء ثقيل عليها وتعبر عن ندمها لأنها ولدتهم. وعلى الأم أن تجعل الأطفال يحسون بأنهم مصدر سعادتها واثمن شيء في حياتها وبخلاف ذلك فهي مجرد مربية وليست أم بأي شكل من الأشكال.
- هناك بعض الأمهات المتعلمات والمثقفات يرغبن في أن يطبقن كل النظريات التي قرأنها على أطفالهن متجاهلات بذلك الفروق والاختلافات بين الأطفال واختلاف البيئات الاجتماعية والنفسية. وتقع الأم من هذه الفئة ضحية لحماستها ومثاليتها المفرطة فتأتي جهودها بنتائج عكسية تماما. وهنا يجب الإشارة إلى أن ما يكتب من نظريات ودراسات حول تربية الأطفال لا يمكن أن يطبق على الواقع حرفيا، إذ لا يعدو أن يكون آراء نظرية مجردة لا يمكن تطبيقها إلا إذا توافرت جميع الشروط الأخرى.
- هناك بعض الأمهات اللاتي يهملن العناية بالواجبات التربوية لانشغالهن بأنفسهن، حيث تترك الواحدة منهن لطفلها الحرية المطلقة ليفعل ما يشاء من دون آية قيود أو ضوابط، فيتقمص الطفل شخصية الأم ويحاكيها في اللامبالاة، وقد يفسر الأمر بطريقته الخاصة ويعتقد أن أمه لا تحبه فينشأ وهو يشك في جهالة أو عطفها عليه فيفشل في إقامة علاقات اجتماعية سوية مع أنداده، وربما يقوده ذلك إلى الانطواء والعزلة وإهمال دروسه.
- وهناك نموذج الأم التي تبالغ في الحرص على أطفالها خشية أن يصاب احدهم بحادث أو يتعرض لمرض أو تخاف عليه من رفاق السوء وتتخد من اجل ذلك تحوطات كثيرة إلى درجة المبالغة، فتحد من نشاطه وسلوكه الطفولي ومن اللعب أو مرافقة أقرانه ومشاركتهم اللعب خوفا من الوقوع في الأخطاء على حد زعمها، وبهذا ينشأ الطفل متوترا كثير القلق نتيجة حرمانه من نشاطات كثيرة هو بحاجة إليها لنمو شخصيته وتفريغ طاقته. ومن الملاحظات الطريفة في لقاءات الآباء والأمهات تبادل الاتهامات حول الأخطاء التي يرتكبونها بحق الأطفال، حيث يلقي كل من الطرفين المسؤولية عن السلوكيات غير الحميدة للأطفال على الطرف الآخر، فالأم تعتقد أن الأمر هو من مسؤولية الأب ويقع ضمن نطاق صلاحياته الخاصة، في حين يلقي الأب باللوم على الأم التي يجب أن تؤدي دورها ولا تحمله فوق طاقته وتتصرف انطلاقا من حنكتها في حل المشكلات اليومية ثم إبلاغ الأب والتشاور معه حول الحلول. ولا تخرج هذه المماحكات بنتيجة، وينسى الآباء والأمهات أن العملية التربوية عملية مشتركة يحمل كل طرف فيها حصته من المسؤولية وضمن امكاناته وقدراته. ومن الأساليب التربوية الخاطئة والشائعة تضارب آراء أفراد العائلة الواحدة حول موضوع تربية الطفل، فما قد يراه الأب صحيحا قد تراه الأم غير ذلك، والعكس صحيح، والأكثر خطورة من هذا كله أن المناقشات الحادة حول هذا الموضوع الحيوي تجري أمام الطفل نفسه الذي يقع في حيرة من أمره، ويحتار: إلى أي الفريقين ينحاز؟ وما هو الرأي السليم؟ هذا إضافة إلى عقدة الذنب نتيجة اعتقاده بأنه السبب لإثارة هذا الموضوع. ويحدث كثيرا أن تتدخل أطراف خارجية في تربية الطفل مثل العم أو الجد، والذين غالبا ما ينحازون إلى جانب الطفل نتيجة للحب والعطف، فتتعارض هنا القيم التربوية التقليدية مع الحديثة، ويجد الأبوان أنهما في مأزق حرج، فهما مضطران إلى إكرام العم أو الجد والتنازل عن إنزال العقاب على الطفل، وهما يحسان بضرورة هذا العقاب. وعندما نتحدث مع الأطفال يجب أن نتوخى الحيطة والحذر والأمانة والصدق لأنهم سيحاكوننا في ذلك، ولهذا لابد من الابتعاد عن المبالغة في ذكر الأرقام والأحداث والتواريخ لئلا يقع الأطفال في السلوك نفسه، ويشبون عليه فيجنحون في الحقيقة إلى الوهم. ويبدأ تعويد الأطفال على النظر بواقعية إلى الحياة من حولهم من الحديث معهم، وهذا لا يعني أن يلفت الآباء أنظار هؤلاء الصغار إلى الجوانب السلبية في المجتمع من خلال التذمر والتشكى والنظرة المتشائمة، فتصوير المجتمع على هذه الصورة المزعجة أو الحديث عن المجتمع الفاضل يجعلان الطفل حائرا مترددا في قبول المفاهيم المتباينة والآراء المتضاربة. وأمام هذه المواقف يتعين على الآباء والأمهات النظر بواقعية إلى الأمور عن طريق تصوير الواقع كما هو من دون مبالغة، مع تسليط الضوء بطريقة مشوقة على الجوانب الايجابية في المجتمع والسعي لترشيحها وتطويرها، وهذه هي بداية التربية الواقعية. وعلاوة على ذلك فإن إفهام الآباء لأطفالهم بأن الحياة ما هي في جوهرها إلا اخذ وعطاء أمر ضروري وحاسم، ثم انه (وعلى عكس ما يعتقد الأطفال) ليس كل ما نطمح إليه سيوفر لنا، فمن المستحيل أن تعطي الحياة الإنسان كل ما يريده. وفي الوقت ذاته يجب التقليل من العقوبات على الأخطاء نفسها، أو الإكثار من اللوم وتوجيه الملاحظات والانتقادات حول كل كبيرة وصغيرة، ثم يجب إتاحة الفرص أمام الطفل لكي يعبر عن مشاعره وأفكاره وإظهار الاهتمام بما يقوله، وان كان ما يقوله لا معنى له في بعض الأحيان. كما انه يجدر بالآباء والأمهات أن يجعلوا الطفل يفهم بأن لكل شيء حدودا ولا يجوز لأحد تجاوز هذه الحدود، وان حرية الفرد تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين، هذا إضافة إلى أن الحرية لا تتجزأ ولا يمكن أن تتحول إلى فوضى عارمة. وهناك أمور لاعلاقة لها بالحريات الشخصية للأطفال مثل الذهاب إلى المدارس وزيارة الطبيب واحترام الآخرين، وهي أمور يمكن للطفل أن يحلها من خلال التشويق وتوضيح الجوانب الايجابية. ومن المتفق عليه أن البيت بأركانه الأساسية، الأب والأم، هو البيئة الأولى للطفل، حيث تعتبر الأسرة الخلية أو الكيان الاجتماعي الأول الذي يضمن استمرار تعاقب الأجيال، والبيت هو الشاطىء الأمين الذي يرتاح إليه الطفل بعد غيابه طيلة النهار في المدرسة والملعب والمرافق العامة، ويجد فيه الأمن والأمان والعاطفة ويتزود منه بشحنات عاطفية جديدة تساعده على تقوية علاقاته وبناء شخصيته
![]()