الثواب والعقاب

 

 

 

 

المقدمة

الحمد لله وحده، والصــلاة والســلام على من لا نبي بعده  000  وبعد :

         بفضل من الله تعالى قضيت في السلك التربوي والتعليمي سنوات طوال أكسبتني الخبرة التربوية المناسبة لفهم الكثير من الأمور التربوية. وبإذن من الله تعالى سأشارك في هذا المنتدى الجميل بما فيه والجميل بمن يقوم عليه في موضوع تربوي تعليمي تحت عنوان (الثواب والعقاب) وذلك في حلقات متصلة وستكون مناقشتي للموضوع مناقشة تعتمد على الأسلوب العلمي في البحث إضافةً إلى سرد بعض التجارب الميدانية التي واجهتها أثناء عملي. كما يسرني قراءة تعليقاتكم ونقدكم ومناقشتكم.

         في غضون النصف القرن الماضي أولى رجال التربية والتعليم والمحللون النفسيون وأطباء النفس المختصون بالأطفال قدراً كبيراً من دراساتهم وعنايتهم لشؤون نفسية الطفل؛ وكان الآباء والأمهات متلهفين على الإطلاع على نتائج تلك الدراسات، كما أن الصحف والمجلات لم تتوان عن الإسهام في هذا الاهتمام من خلال نشر أكبر قسط ممكن مما أجري من الدراسات. ومن خلال ذلك كله تعلمنا شيئاً فشيئاً إن الأطفال بحاجة إلى حب الأبوين أكثر من أي شيء آخر وهم – الأطفال – يبذلون تلقائياً أقصى الجهد لكي يتشبهوا بالكبار البالغين وتحمل المسؤولية. وان الكثيرين ممن يقعون في الاضطراب والمتاعب إنما يعانون في الواقع من فقدان العطف لا من فقدان العقوبة. وتعلمنا فوق ذلك كله أن الأطفال يتلهفون على التعلم إذا أعطوا موضوعات مدرسية مناسبة لأعمارهم وأشرف عليها معلمون متفهمون، وإن بعض مشاعر الغيرة من الأخوة والأخوات وبعض مشاعر الغضب المؤقتة نحو الآباء والأمهات هي أمور طبيعية ولا داعي لأن يحس الطفل بالخجل الشديد من تعرضه لمثل هذه المشاعر، وكذلك تعلمنا أن القمع الشديد للمشاعر العدوانية قد يُفضي إلى حالة من العصاب، وأن الأفكار التي تدور في العقل الباطن لها تأثير في حياة الإنسان بقدر ما للأفكار التي تدور في عقله الواعي، وإن كل طفل هو فرد وينبغي أن يسمح بأن يبقى كذلك. هذه الأفكار كلها أصبحت اليوم من الأمور العادية المعروفة والمألوفة ولكنها عندما أعلنت لأول مرة أحدثت هزة كبيرة، ومن الطبيعي أنه ليس من السهل تغيير هذا العدد الكبير من الأفكار بشأن طبيعة الطفل واحتياجاته دون أن يُربك ذلك الكثيرين من الآباء والأمهات والمعلمين. لقد تطورت عملية الثواب والعقاب في التعليم في صورته الحديثة إلى مبدأ التعزيز، فمن المألوف أننا وبصورة عامة نقدم الثواب على السلوك الصحيح أو السلوك المرغوب فيه، ونقدم العقاب أيضاً على السلوكيات الخاطئة أو غير المرغوب فيها، وهذه سُنة الحياة. ومنذ القدم بينت لنا الشرائع السماوية ماذا أعدت للمتقين من الجنان والنعيم المقيم، وماذا أعدت للكافرين من نار جهنم وما تحتوي من أصناف العذاب، وهذا من باب الترغيب والترهيب، واللتان تعتبران بالتركيبات اللغوية المعاصرة الثواب والعقاب. إن ما يعنينا في هذا الأمر هو الطالب الذي نتعامل معه داخل أسوار المدرسة، وفي المنزل، وفي المجتمع؛ وهنا لابد لنا من وقفة، وهي أن على المُدرس أن يتفهم دوره ويُتقنه وأن يؤدي عمله على أكمل وجه، وبكل إخلاص وتفاني حتى يستطيع أن يؤثر تأثيراً مباشراً على شخصية الطفل، لأنه، أي المدرس، يعتبر القدوة التي يقتدي بها ويؤثر فيها تأثيراً مباشراً في حياته. ومن هذا المنطلق فإن دور المعلم لم يكن قاصراً على الاهتمام بتعليم الناحية المعرفية فقط وإهمال الجوانب الأخرى، بل يجب عليه أن يهتم بالطالب من جميع النواحي المعرفية والتربوية والنفسية والخلقية والصحية، فيوجهه الوجهة الصحيحة والسليمة، فيقول له إذا أحسن 00 أحسنت 00 ويُقدم له ما يتوافق مع فعله من أنواع الثواب المناسب، أما إذا أساء ولم يُحسن التصرف فان على المعلم أن يوضح له إساءته ويمنعه بوسيلة من وسائل العقاب المتاحة حسب حجم الخطأ. لذا فإن دور المعلم هام في تربية الطفل وعليه مسؤولية عظيمة. وسنبحث في بحثنا البسيط هذا عن دور المُعلِّم في عملية الثواب والعقاب.        

    أسأل الله التوفيق والسداد 00


مكانة الأبناء

 

         أولادنا هم فلذات أكبادنا وقطعة من نفوسنا، وهم بهذا مكان الحب والإخلاص والتفاني في تقديم كل ما يفيدهم في حياتهم المستقبلية، وهذه عاطفة ووجدان وعلاقة سماوية يكاد يتساوى فيها الناس كافة إلاَّ ما ندر. وأساس هذه العاطفة الجياشة حيويٌ صرف مستمد من صلة وقرابة الدم، وطبيعة الحياة، ولهذا كانت التربية للناشئة موضع عناية البشر منذ أقدم العصور حتى عصرنا الحاضر وحتى قيام الساعة؛ وهذا هو المجال الذي يتفاوت فيه الناس في الطريقة التي يتبعونها في التربية.

 

الدافعية والتعلم

 

         إن الدافعية هي مصطلح نفسي تربوي عام يُستخدم للدلالة على العلاقة بين الطفل أو الطالب وبيئته، ولا يتضمن هذا المصطلح أي إشارة إلى نشاط محدد أو نموذج سلوكي معيّن، بل يستدل عليه من سلوكيات الطفل في المواقف المختلفة. فوجود حاجة معينة عند الطفل تجعله يتصرف تصرفاً خاصاً مع البيئة الخارجية ومع من هم حوله ليُشبع حاجته. وللدافعية في عملية التعلم ثلاثة أبعاد يجب أن يضعها الوالدان والمعلمين في اعتبارهم حين التعامل مع الطفل وهي :

1- الدافعية تُخرج الطاقة الإنفعالية الموجوده أساساً لدى الطفل.

2- الدافعية تُملي على الطفل أو الطالب أن يستجيب لموقف معين ويُهمل أو يتناسى الجوانب الأخرى، كما تملي عليه طريقة التصرف والأداء في موقف معين.

3- الدافعية توجه السلوك وُجهة معينة بهدف إزالة التوتر الكامن لديه.

      ومن هذا المنطلق يجب على المعلم أن يكون واضحاً مع طلابه في الأهداف المنظمة لتعليم مادته، دارساً لميولهم بشكل دقيق ليتفهم الطرق المثلى لاستخدام دافعية كل منهم.

 


 

 

الثواب والعقاب

 

        إن الطفل - كالبالغ تماماً - لا يخفى عليه الأمر عندما يكون في وسعه أن يفلت من العقاب حين يسيء التصرف بأشياء كثيرة حتى ولو حاولت أن تُغمض عينيك عن رؤية تلك التصرفات. وهو في هذه الحالة يشعر في قرارة نفسه بالإثم ويود أن يوقف عند حد معين، وفي النهاية تبلغ تصرفاته من الاستفزاز حداً يستنفذ معه الصبر فيُعنف أو يُعاقب فيعود السلام. وهنا يجب أن يكون العكس صحيحاً في مثل هذه الحالات، فإذا كان الطفل هادئاً ويحترم الآخرين ويُقدر ما يجب عليه من أنظمة تجاه المنزل والمدرسة والمجتمع فان علينا تجاهه جزاءه ايجابياً (الثواب) تحفيزاً لغيره لسلوك نفس الطريق وتشجيعاً له للتمسك بهذا السلوك الحميد وتهذيبه. إن الطفل بحاجة إلى أن يُحس بأن أباه وأمه ومعلِّمه مهما كانوا متساهلين معه يعرفون حقهم عليه ولا يدعونه يكون خشناً أو غير معقول بل يصبح بهذه الطريقة اشد حبا لهم، وهذا الموقف كفيل بأن يدربه على أن يُصبح أشد انسجاماً مع الناس الآخرين. فالطفل المدلل ليس طفلاً سعيداً حتى داخل بيته وعندما يخرج إلى الحياة فان ذلك يجعله يصاب بهزة أو صدمة قوية قد تؤثر على شخصيته المستقبلية، فهو يجد أن لا أحد يرغب في أن يتزلف إليه أو يُحبه بل أن الجميع يكرهونه بسبب أنانيته؛ فإما أن يواجه الحياة وهو غير محبوب أو يتعين عليه أن يتعلم وبصعوبة كيف يصبح محبوباً. عندما ننظر حولنا في المجتمعات العربية أو الإسلامية نجد أن عدوى تمرد الأحداث على البيت أو المدرسة وانحرافهم عن آداب المجتمع قد سرت إليها من المجتمعات الأخرى عبر ثقافتها وعن طريق اقتباس مناهج التربية والتعليم من معاهدها وجامعاتها (1). ومن ذلك بعض النواحي المهمة في التربية كالثواب أو العقاب 00 وسنستعرض الآن الثواب والعقاب كلٌ على حده.

 


الثواب

 

   ويمكننا مما سبق أن نُعرِّف الثواب بأنه عمل له أثر على النفس وهو يتبع أداء معين أو استجابة معينة وهو يؤدي إلى الشعور بالرضا، والســـرور والارتياح، ومن نتائج عملية الثواب أن يسعى المتحصل عليه على هذا المثير بشكل مُتكرر أو على الأقل الاحتفاظ به. والثواب في مُعظم المواقف التعليمية غالباً ما يصب في قوالب لفظية مثل كلمات التشجيع أو عبارات الثناء، ولا شك أن خطابات الشكر من إدارة المدرسة إلى ولي الأمر تُمثل نموذجاً هاماً من أساليب الثواب في المدرسة. فالطالب الذي يرسل له خطاب التقدير لتفوقه في مادة معينة، أو لتفوقه في ناحية معينة من نواحي النشاط، ولا شك أن هذا السلوك لايُمثل خاتمة لمستواه في هذا النشاط، إنما يُمثل حافزاً جديداً على بذل الجهد والمحافظة على المستوى الذي وصل إليه، بل والسعي إلى مستويات أخرى أرقى بكثير من تلك التي وصل إليها فعلاً. أما بالنسبة للطالب الأكثر رقيا (طالب المرحلة المتوسطة النهائية وطالب المرحلة الثانوية) فانه لا يسعى وراء المدح والثناء وخطابات الشكر، قدر سعيه إلى تجنب اللوم والعبارات التي تسجل له على عدم تقدمه وبالتالي تؤثر على صورته وشخصيته مع المحيطين به.

 


 

العقاب

 

         ومما سبق يُمكننا أن نُعرف العقاب بأنه عملٌ مانع يهدف بالدرجة الأولى إلى إزالة أي سلوك خاطئ أو غير مرغوب فيه بطريقة أو بأخرى، ونتائجه تتلخص في توقف الفرد عن ممارسة هذا السلوك الخاطيء مرةً أخرى؛ وقد عرفه الأستاذ الدكتور فؤاد أبوحطب في كتابه (علم النفس التربوي ص 363-364): موانع لإزالة السلوك الخاطيء أو غير المرغوب فيه بصورةٍ أو بأخرى. ويمكننا أن نتصور الميزان القديم ذو الكَفَّتين،  فنضع في كفته اليسرى العقاب وفي كفته اليمنى الثواب، لنستنتج أن الثواب والعقاب مؤثران مرتبطان ارتباطاً وثيقاً ببعضهما البعض وكثيراً ما ينتج عنهما النجاح والنبوغ أو الفشل في عملية التعليم بشكل عام، فهما من الآثار التي تعقب الأفعال مباشرة. ومن هذا المنطلق يجب أن نقول للمحسن والمجد والمجتهد من الطلاب "أحسنت" ويثاب على جِدِّه واجتهاده وما تحصل عليه من تفوق، كما يجب في الجانب الآخر أن نقول للطالب الكسول وغير المجتهد "حَســِّــن من وضعك"، وإذا استمر كان لزاماً علينا عقابه، وهذا ينطبق أيضاً على كل السلوكيات الطيبة والسيئة. وإن كان لابد من كلمة للمعلم فإني أهمس في أُذنه وأقول: عليك يا معلم أن تستخدم كلاً من الثواب والعقاب بحكمة ورَويَّة ثم بحزم بعد أن تدرس عواقب كلاًّ منهما على نفسية الطالب ونواتج كل عملية.

 


 

تصنيف الثـواب

 

يرى كثير من علماء التربية تصنيف أنواع الثواب إلى التالي:

1- المكافأة أو المثوبة:

وهي التي تتخذ طابعاً مادياً خارجياً صريحاً، وتتمثل في تقديم شيء ملموس عيني ولو كان بسيطاً وهذا يُسمى المكافأة أو الباعث. والمكافأة أياً كان ثمنها فإنها تُشبع لدى الطفل أو الطالب دافعاً قوياً من نوعٍ ما، ومن ذلك المكافأة والجوائز المالية والمادية بصفة عامة، والميداليات والدرجات والتقديرات المدرسية، والترتيب والمدح والثناء اللفظي وغيرها الكثير مما يجعل الطفل يشعر بالرضا والارتياح.

2- إزالة الإستثارة المنفرة:

ومن ذلك أن يشعر الطالب من خلال تعليقات والده في البيت أو معلمه في المدرسة أن أخطاؤه تتناقص وتزول جزئياً أو كُليّاً مما يجعله أيضاً يُحس بالرضا والارتياح النفسي عن أدائه.

3- التغذية المُدَعِّمة :

من ذلك أن يعلم الطفل أن استجابته صحيحة، ومن هذه المعلومات قد يحصل على قدر من الرضا من تدعيم هذه الإستجابة الصحيحة، إلاَّ أن الرضا في هذه الحالة قد لا يكون له نفس قوة ما يحصل عليه من تعليق الأب في البيت أو المعلِّم في الفصل الدراسي على ما يفعل، وهذا يُعتبر من أنواع المكافآت.

 


 

تصنيف العقــاب

 

1- التغذية التصحيحية (الراجعة):

ومن ذلك أن يعلم الطفل أو الطالب أن استجابته خاطئة، وبطبيعة الحال فإن معرفته بهذه المعلومة يؤدي إلى الشعور بالتوتر، وبالتالي إلى الشعور بالحاجة إلى تجنب هذه الإستجابة قدر الإمكان.

2- إزالة المكافأة المنتظمة (الإنطفاء):

ومن ذلك أن الطفل بعد أن يتعرض لبعض الخبرات المتتابعة من حصوله على نوع من أنواع المكافآت قد يُظهر الإهمال، أو قد يقع في بعض الأخطاء مما يجعله لا يتحصل على القبول من قِبل والده في البيت أو من قِبــل معلمه في المدرسة وفي الفصل الدراسي، ومن ثَم المكافأة.

3- التلميح بالفشـــل:

فإذا كان الطفل أو الطالب أظهر إهمالاً إرادي في استمراره في الأداء المنخفض، فإن الأمر قد يصل إلى الحد الذي يجعل الأب أو المعلم يُخبره فيه بأن عمله قد يؤدي به إلى الفشـل، وعليه بذل مزيداً من الجهد والإجتهاد.

4- الفشـــل الفعلي:

إذا استمر الطفل أو الطالب في الأداء الضعيف أو السيء، فإن الوالد في البيت أو المعلم في المدرسة قد يضطر إلى أن يطلب منه تكرار العمل أو يحكم عليه بالفشل، وهنا يكتسب الطفل أو الطالب ويتفهم جيداً لخبرة الفشل الحقيقية.

5- العقوبة أو الجزاء:

إنه من المعلوم أن معظم المدارس التي تعتمد تماماً على التربية الحديثة تعترض عملياً على العقاب البدني، ومع ذلك فإن الطفل أو الطالب قد يلقى بعضاً من هذه المعاملة إذا خرق قواعد وقوانين النظام أو تحدَّى القوانين الأخلاقية للمدرسة أو البيت. فقد يُضرب لعدم أدائه الصلاة مثـلاً، مصداقاً لقول الرسول محمد صلّى الله عليه وسلّم: "واضربوهم عليها لعشر.". وقد قال الأستاذ الدكتور: فؤاد أبوحطب: "إلاَّ أن العقوبة قد تشمل الذم السطحي أو التوبيخ أو التأنيب أو اللوم أو النقد أو الإستهجان أو التقريع أو التصنيف." ( علم النفس التربوي - الدكتور: فؤاد أبوحطب، ص 364-366 ).

 


 

أثر الثواب في عملية التعليـم

 

         من أهم آثار الثواب ذلك الذي يُوَلِّده الثواب لدى المتعلم من حالات انفعالية سارة، فهو عادة ما يجعل الطفل أو الطالب يشعر بالرضا أو اللذة أو السرور، ثم إنه يؤدي إلى تقوية اللا دافعية لدى المتعلم وهي التي تعمل على تنشيط بعض السلوكيات وتوجيهها الوجهة الصحيحة ولمدة طويلة.

         وقد يكون للثواب آثار قصيرة المدى، وهي ما تُعرف بـ (الأثر داخل العمل)، وعلى سبيل المثال لا الحصر إن دَعَي الطفل أو الطالب ربَّه طالباً النجاح، فإن هذا يُشبع لديه بعض دوافعه، ويؤدي إلى تنشيط دافعية التعلم اللاحقة لديه، وذلك بسبب زيادة الثقة بالنفس، وفي نفس الوقت، فإن الثواب يزيد دافعية الطفل للإستفادة مما تعلَّم بالفعل في البيت أو المدرسة.

 


 

أثر العقاب في عملية التعليم

 

         من أهم آثار العقاب في عملية التعليم أنه يُساعد على تحديد المشكلة في صورة واضحة لها معنى واضح، ويُحدد اتجاه النشاط، ويُعطي معلومات عن  مدى التقدم نحو الهدف، غير أنه ومع المدى الطويل يؤدي إلى إضعاف الدافع الذي يؤدي إلى تنشيط وتوجيه السلوك الذي يُعاقب عليه الطفل أو الطالب، ويؤدي أيضاً إلى نُقصان الإحتمال النسبي لحدوث الإستجابة التي تفضي إليه، وعلى الرغم من أن هذه الوظيفة هي في الحقيقة الأكثر شيوعاً فنحن نعاقب لكي يتوقف الأطفال أو الطلاب عن القيام بأعمال لا نرضاها ويُسمى العقاب هنا في لغة التربية (معزز منفر). كما أنه يؤدي بالطالب إلى أن يكون مدفوعاً لتجنب الفشل في التعلم اللاحق، وذلك بتركيز الإنتباه وبذل مقدار أكبر من الجهد والمثابرة. ولكن على الرغم من أن العقاب يُســاعد على التمييــز بين الدلالات الصحيحة وغير الصحيحة من خلال المعلومات التي يعطيها عن نواتج الفعل إلاَّ أنه أقل توجيهاً للتعلم، وإرشاداً لمســاره من الثواب.

         ومما سبق عرضة نستنتج أن العقاب عملية تُخبر الطالب أو الطفل بأن استجابة أخرى يجب أن تُعدل، ولكنه لا يخبره عما يُجب فعله. أمًّـا الثواب فإنه يُثير بوضوح إلى أن نفس الإستجابة يجب تكرارها.

 


 

مبادئ استخدام الثواب والعقاب

 

    يُمكن تلخيص المبادئ التي يُعتمد عليها مدى نجاح الثواب والعقاب في تربية الطفل أو الطالب في المدرسة فيما يلي:

1- الثواب يجب أن يؤدي إلى الإرتياح والرضا النفسي، أما العقاب فيجب أن يؤدي إلى عدم الإرتياح والرضا النفسي، وله قيمة كبيرة في جميع العملية التعليمية. فالثواب يستمد قوته من دوافع إجتماعية وتعليمية في معظمها، مثل الحاجة للتعزيز أو الإعتراف أو المعرفة أو الإنتماء.

2- كلما زاد مقدار الثواب والعقاب زاد أثره في تعلم الطالب، ولكن علينا أن لا نبالغ حتى لا يفقدا قيمتهما.

3- لا تحدث الآثار القصوى لعمليتي الثواب والعقاب إلاَّ عندما يتبعان الإستجابه مباشرة، لذا لابد من الإرتباط بين الثواب والعقاب وبين الإستجابه حتى ينتج الأثر.

4- قد تضعف الظروف المشتتة آثار الثواب أو العقاب، وهذا المبدأ مُشــتق في جوهره من تجارب المتعلم الشرطي الكلاسيكي، وفيه نجد أن أساس تكوين الإرتباط هو عزل المثير والإستجابة حتى يُمكن إشراك استجابة معينة لمثير واحد وليس لغيره.

5- ذكر الأستاذ الدكتور: فؤاد أبو حطب: "عدم انتظام الثواب والعقاب، وذلك بتقديمها على نحو منقطع أكثر فعالية من انتظامها على نحو مستمر." (علم النفس التربوي - الدكتور فؤاد أبو حطب/ ص 379-380 ).

 


 

كيف يُـميز المتعلم بين مواقف الثواب والعقاب؟

 

      سؤال هام يتبادر إلى ذهن الباحثين من المهتمين بالتربية. حيث أن هناك كثير من السلوكيات تُعد مرفوضةً في سياق مُعيّن، بينما تُعد مقبولة في سياق آخر. وهنا تكمُن المشكلة من جهة الطفل أو الطالب، إذ كيف يُميِّز بين المواقف والمناسبات التي يُحتمل أن تكون معاقبة، وتلك التي تكون مثيبة، وتزداد هنا المشكلة تعقيداً، إذا علمنا أن كثيراً من الآباء والمعلمين يفشلون أحياناً في هذا التمييز، بلْ قد يجعلون هذا التمييز صعباً أو مستحيلاً في أحيان أُخرى. (علم النفس التربوي - الدكتور فؤاد أبوحطب - صفحة 379-380).

      لذلك فإنه في البداية يجب أن يتفهم الأب والمعلم الفرق بين هذه المواقف ليستطيعا بالتالي إفهامه للطفل أو الطالب.

 


 

دور المعلم في تربية الطالب

 

     حينما يأتي الطالب إلى المدرسة فلاشك أن الجو المدرسي سوف يختلف عليه مقارنة بجو البيت، حيث كان بؤرة لتلقي العطف والحنان والحب، بينما في المدرسة أصبح جزء من مجموعة تتلقى الحب والعطف والحنان من أب واحد وهو المعلم داخل الفصل الدراسي. وربما كان الطالب ممن له الرغبة في البقاء في المدرسة نتيجةً لتشجيع أسرته له للبقاء بها وإعطائه صورة حسنة عن المدرسة، لكن يبقى عامل الخوف والرهبة هو المسيطر على تفكيره بسبب البعد عن مركز العطف والحنان وبسبب سماعه من أقرانه عن معاملة البعض في المدرسة.

     وهنا يجب على المعلم أن يقف بجانبه من أول يوم يدخل فيه الطفل إلى المدرسة، فيستقبله استقبالاً حسناً ويوجهه ويُشجعه ويطرد عنه الخوف والرهبة من المدرسة، ويأخذ بيده ويدخل في نفسه الرغبة والحب للمدرسة والتعليم، وذلك بإعطائه نوعاً من الحرية والتعبير عن ذاته وما يجول بخاطره، ويغرس في نفسه روح المحبة للمدرسة بسرد القصص الخيالية المشوقة حتى يتفاعل مع بقية زملائه داخل الفصل الدراسي ثم المدرسة بمفهومها الأكبر. ومن هنا يبرز دور المعلم في تشجيع الطفل وحفزه وترغيبه في المدرسة وترغيبه في زملائه من أول يوم التحق فيه بالمدرسة، فيكون قد غرس بهذه الطريقة المحبة والرغبة، أما إذا حدث العكس فتتكون الكراهية والنفور من المدرسة. ومن هذا المنطلق تظهر أهمية المعلم في بناء شخصية الطفل التي أصبحت ضرورية، والتي تدعو لها كثيراً من المؤسسات التربوية، وتعمل من أجلها، وهي بناء الشخصية المتكاملة من كافة الجوانب. والمعلم لا يستطيع أن يقوم بهذا الدور إلاَّ إذا كانت لديه رجاحة التفكير وحُسن التصرف، وحُسن تكوين العلاقة مع الآخرين. فالمدرس في المدرسة وخارج المدرسة هو القدوة الحسنة لطلابه، وتنعكس جميع تصرفاته وأفعاله على حياة طلابه وتصرفاتهم في مجتمعهم.

 


التربيـة في الإسـلام

 

     تعتبر التربية في الإسلام من أصعب المراحل وأدقها في سيرة الحضـارة الإسلامية، لكون الإنسان يولد على الفطرة، ثم ينشأ داخل الأسرة، فيكون لها الجانب الأكبر من التأثير على تربيته المعنوية والبدنية سلباً أو إيجاباً. ( التربية الإسلامية: أهدافها - خصائصها: محمد أحمد القحطاني، ص 12-14).

أساليب العقوبة في الإسلام:

1- الإرشــاد إلى الخطأ:

لقد ورد في الحديث الشريف أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعُمَر بن أبي سلمة: " يا غلام ! سَــمِّ الله وكُل بيمينك، وكُل مما يليك ". ومن هنا نفهم كيف أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم عمر بن أبي سلمة إلى الخطأ بالموعظة الحسنة والتوجيه المؤثر المختصر البليغ.

2- الإرشــاد بالقدوة:

فقد روى البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: " أن الرسول صلى الله عليه وسلم أتى بشرابٍ، فشرب منه، وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟". هذا هو أسلوب التوجيه والتأديب النبوي الكريم عن طريق القدوة الطيبة.

3- الإرشــاد إلى الخطأ بالإشارة:

وقد كان الفضل رضي الله عنه رديف للرسول صلى الله عليه وسلم، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل رضي الله عنه ينظر إليها وهي تنظر إليه، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر. ومن هنا يتضح لنا كيف عالج الرسول صلى الله عليه وسلم خطأ النظر إلى الحرام بتحويل وجه الناظر إلى الشق الآخر وقد أثَّر ذلك في الفضل. (صحيح البخاري).

4- الإرشــاد إلى الخطأ بالتوبيخ:

عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سبيت رجلاً فعيّرته بأمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر! أعيرته بأمه؟، إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم حولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس 000 إلى آخر الحديث.

ونلاحظ هنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم عالج خطأ الصحابي الجليل أبا ذر بالتوبيخ والتأنيب ثم وعظه بما يلائم المقام وما يناسب التوجيه.

5- الإرشــاد إلى الخطأ بالهجر:

روى البخاري أن كعب بن مالك رضي الله عنه حين تخلّف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن مكالمتنا، وذكر خمسين ليلة حتى أنزل الله توبتهم في القرآن الكريم، وهكذا كانوا في الرعيل الأول يعاقبون بالهجر في إصلاح الخطأ وتقويم الإعوجاج حتى يرجع المنحرف إلى جادة الصواب.

6- الإرشـاد إلى الخطأ بالضرب:

وفي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع.". ويتضح لنا من هنا أن العقوبة بالضرب أمرٌ أقره الإسلام وهو بالمرحلة الأخيرة بعد الوعظ والهجر.

7- الإرشــــاد إلى الخطأ بالعقوبة الواعظة:

على سبيل المثال عقوبة الحدود، حيث يكون تنفيذها أمام مشهد من الناس ومحضر من أبناء المجتمع حيث تكون العبرة أبلغ والعظة تكون أقوى. فالسعيد من اتّعظ بغيره. ولا شك أن المربي حين يعاقب الطالب المسيء أمام إخوانه من الطلاب فإن هذه العقوبة تترك الأثر الكبير في نفوس الأولاد جميعاً، وبهذا يعتبرون ويَتعظون.

 


 

خاتمــة

 

     يعتقد البعض من الناس أن الأدب أو التأدب هو بالعقوبة البدنية، وهذا المفهوم يميل إلى الخطأ منه إلى الصواب. فإن العقوبة البدنية تدفع الطفل أحياناً إلى سلوك يستحيل علينا معالجة أي خطأ يقع منه، وغالباً ما تفشل العقوبة البدنية في إحداث الأثر المطلوب. فالطفل أو الطالب في أحيان كثيرة لا يعلم سبب معاقبته ولكن إذا تم إفهامه إن ما فعله كان من الأخطاء وذلك بأسلوب معين ومفهوم كان ذلك أجدى أثراً في تنشئته التنشئة المعتمدة على الوضوح والصراحة، ويستطيع الوالدان أو المعلم أن يعطي الطفل فكرة عن الخطأ وسبب كونه خطأ وكيفية العمل الصحيح، ثم يأتي فيما بعد دور القدوة التي يتبعها الطفل سواء من الوالدين أو المعلم. وسأستعرض هنا بعض التوجيهات التي نستخلصها من هذا البحث، والتي أرى وجوب إتباعها :

 

1- يجب أن تكون العقوبة متفقة مع درجة الخطأ.

2- لكي تكون العقوبة رادعة يجب أن تكون عاجلة حتى لا ينسى الطفل سبب معاقبته.

3- ينبغي أن تتناسب العقوبة مع عمر الطفل وحالته الصحية والجسدية.

4- لابد وأن يُفهّم الطفل الغرض من العقوبة.

5- الإقلال من العقوبة يُقلل من الوقوع في الخطأ.

 

هذا وأرجو الله الله التوفيق والسداد .

 


 

قائمة المراجع

 

1- الأهواني، أحمد فؤاد، التربية في الإسلام، دار المعارف بمصر.

2- جمال، احمد محمد، نحو تربية اسلامية، ط1، 1400هـ، تهامة.

3- طاحون، احمد بن محمد، كيف نربي ناشئتنا.

4- أبوحطب، فؤاد، علم النفس التربوي، 1980م، الأنجلو المصرية.

5- القحطاني، محمد احمد، التربية الاسلامية اهدافها، اسسها، خصائصها، الطبعة الأولى 1406هـ، دار الشروق.

6- صالح، احمد زكي، علم النفس التربوي، مكتبة النهضة المصرية.

7- صحيح الإمام البخاري.

 

 

 

 

 

 

الصفحة السابقة  الصفحة الرئيسية